نزع السلاح النووي .. ساعة منتصف الليل

تم نشره في الجمعة 23 آذار / مارس 2012. 03:00 صباحاً
  • يابانيون يطالبون بوقف التجارب النووية - (أرشيفية)

جاريث إيفانز*
كانبيرا- في الشهر الماضي، تحركت عقارب ساعة نهاية العالم دقيقة أقرب إلى منتصف الليل، وفقاً لنشرة علماء الذرة، وهي المنظمة المحترمة على مستوى العالم، والتي تتبعت لعقود من الزمان خطر احتمال وقوع كارثة بسبب الأسلحة النووية، سواء كانت الكارثة ناجمة عن حادث أو بتدبير متعمد، من جانب دولة أو جماعة إرهابية، أو كانت قنبلة انشطارية أو قنبلة إشعاعية قذرة.
ولكن، يبدو أن قِلة من الناس في مختلف أنحاء العالم ينصتون. والواقع أن هذه القصة، مثل غيرها من القصص الشائعة منذ نهاية الحرب الباردة، بدأت وانتهت في خضم دورة أنباء تتألف من نصف يوم. ولكن الحجة التي ساقها العلماء كانت مثيرة للقلق وتتطلب قدراً كبيراً من الاهتمام. فالتقدم الذي تم إحرازه منذ العام 2007، عندما تم وضع عقارب الساعة عند خمس دقائق قبل منتصف الليل، توقف تماماً الآن، وتجاهلت القيادات السياسية كل القضايا الحرجة: نزع السلاح، ومنع الانتشار، واللبنات الأساسية اللازمة لكليهما.
ففي مجال نزع السلاح النووي، باءت كل الجهود بالفشل حقا. صحيح أن معاهدة ستارت الجديدة التي وقعتها الولايات المتحدة وروسيا في العام 2010 نجحت في خفض عدد الأسلحة الاستراتيجية المنشورة، لكنها تركت المخزون الفعلي لدى كل من الطرفين على حاله، ولم تتعرض لحالة التأهب الشديد أو برامج تحديث الأسلحة، ولم تناقش الخلل في توازن الدفاع الصاروخي والأسلحة التقليدية، وتركت المحادثات بشأن المزيد من عمليات خفض مخزونات الأسلحة النووية بلا توجيه حقيقي.
ومع توقف التحركات من جانب الولايات المتحدة وروسيا، الدولتين اللتين تكدسان معاً نحو 95 % من مجموع الأسلحة النووية على مستوى العالم (أكثر من عشرين ألف سلاح نووي)، فإن الدول الأخرى المسلحة نووياً لم تستشعر أي ضغوط قد تحملها على خفض مخزوناتها الخاصة بشكل كبير، بل إن بعض هذه الدول، مثل الصين والهند وباكستان، قامت بزيادة مخزوناتها من الأسلحة النووية.
وقد حقق مؤتمر مراجعة معاهدة منع الانتشار النووي في العام 2010 نجاحاً متواضعا، ولا يرجع ذلك في الأساس إلى وقوع المؤتمر في فوضى كاملة، كما حدث للمؤتمر السابق له في العام 2005؛ لكنه فشل في التوصل إلى اتفاق حول اتخاذ التدابير الكفيلة بتعزيز قوة النظام؛ ولم تنجح محاولة المؤتمر لدفع المحادثات حول إنشاء منطقة خالية من السلاح النووي في الشرق الأوسط في استجماع أي قدر من الزخم؛ ولم يستطع تقريب كوريا الشمالية من العودة إلى حظيرة معاهدة منع الانتشار النووي؛ والآن، أصبحت إيران أقرب من أي وقت مضى إلى الانسحاب من المعاهدة، وقد تمتد العواقب إلى المنطقة بالكامل، والاقتصاد العالمي أيضاً، إذا اتخذت إيران هذا القرار بالفعل.
وعلى الرغم من نوايا الرئيس باراك أوباما الحسنة، فإن مجلس الشيوخ الأميركي لم يصبح أقرب إلى المصادقة على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، في حين تحتمي دول مثل الصين والهند وباكستان، بين دول أخرى، بهذا التقاعس عن العمل، حيث يشكل قرار الوقف الطوعي الهش بمثابة العقبة الوحيدة أمام استئناف التجارب النووية. وفضلاً عن ذلك، فإن المفاوضات بشأن وضع لبنات البناء الحاسمة الأخرى بالنسبة لكل من نزع السلاح ومنع الانتشار، معاهدة لحظر إنتاج المزيد من المواد الانشطارية المستخدمة في تصنيع الأسلحة النووية، تظل واقفة أمام طريق مسدود.
أما النبأ الجيد الوحيد، فهو الوصول إلى منتصف الطريق في استمرار التقدم على مسار عنصر ثالث بالغ الأهمية: ضمان عدم وقوع المواد القابلة للاستخدام في تصنيع الأسلحة النووية، والأسلحة ذاتها، المخزنة في مواقع متعددة في 32 دولة، بين أيدي دول مارقة أو جماعات إرهابية. وفي نهاية شهر آذار (مارس) 2012، سوف يستضيف رئيس كوريا الجنوبية، لي ميونج باك، اجتماع متابعة لقمة الأمن النووي الناجحة التي كان قد عقدها أوباما في العام 2010، والتي جمعت بين قادة 47 حكومة من أجل الاتفاق على برنامج شامل يهدف إلى تأمين كل هذه المواد في غضون أربعة أعوام. وتحتل القضايا الأمنية الخاصة بالأمن النووي مرتبة أولى على رأس أجندة الاجتماع: فقد أظهرت كارثة فوكوشيما أن محطات توليد الطاقة النووية ليست عُرضة للكوارث الطبيعية فقط، بل وأيضاً لعمليات التخريب الإرهابية.
لكن الأمن النووي ليس سوى جزء ضئيل مما ينبغي لنا أن نقوم به للقضاء على التهديدات النووية إلى الأبد، ولا شك في أن ضعف هذه القمة من شأنه أن يزيد من صعوبة التزام كبار زعماء العالم بالاجتماع من أجل تحقيق غرض ضيق كهذا. والآن، أصبحت الحاجة ملحة إلى تفكير جديد حول كيفية استعادة الزخم الذي كان نشطاً قبل عامين فقط.
بيد أن تحقيق هذه الغاية يتطلب توفر ثلاثة شروط. فأولا، يتعين على الزعماء السياسيين وقادة المجتمع  المدني أن يعيدوا التأكيد مراراً وتكراراً على قضية "الصفر العالمي" –خلق عالم خال من الأسلحة النووية- ورسم خريطة واضحة لمسار تدريجي يفضي إلى تحقيق هذه الغاية.
وثانيا، يتطلب الأمر الاستعانة بآليات جديدة لتنشيط صانعي القرار السياسي وعامة الناس. آلية لتطوير وتعزيز مشروع اتفاقية الأسلحة النووية بوصفها إطاراً للعمل. وآلية أخرى تتلخص في إعداد تقارير قوية في تقييم أي الدول هي التي تفي بتعهداتها فيما يتصل بنزع السلاح ومنع الانتشار، وأيها التي لا تفي بها (ويُعَد مؤشر أمن المواد النووية، الذي نشرته مؤخراً مبادرة التهديد النووي التي طرحها عضو مجلس الشيوخ الأميركي سام نان، أحد الأمثلة على هذا). وقد تساعد أيضاً في تحقيق هذه الغاية شبكات القيادة، كتلك التي تعمل الآن في أوروبا ومنطقة آسيا والباسيفيكي، والتي تتألف من زعماء سابقين معروفين وغيرهم من كبار الشخصيات.
وثالثا، يتطلب الحفاظ على مستوى عال من الاهتمام بالأجندة النووية بالكامل وجود إطار مؤسسي. والواقع أن تركيز قمة الأمن النووي أضيق من أن يسمح لها بتولي هذا الدور؛ والتفويض الرسمي للهيئة الدولية للطاقة الذرية مقيد للغاية؛ ولا يجتمع مؤتمر مراجعة معاهدة منع الانتشار النووي بشكل منتظم؛ كما أن عضوية مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة محدودة للغاية. ولعل مجموعة العشرين تشكل المنتدى الأفضل لبناء القاعدة المطلوبة، حيث تمثل عضويتها الشمال والجنوب، وتغطي أغلب سكان العالم، وتشتمل على كل الأسلحة النووية في العالم تقريبا، ويجتمع رؤساء حكوماتها بشكل منتظم.
ومع اجتماع وزراء خارجية مجموعة العشرين في المكسيك هذا الشهر لمناقشة قضايا الحكم العالمي الأوسع نطاقاً، تبدأ المجموعة في التحرك إلى ما هو أبعد من التركيز الاقتصادي الضيق. وهو اتجاه يستحق الترحيب. صحيح أن الدمار الاقتصادي يفضي إلى تعاسة بشرية لا تحتمل، لكن هناك أيضاً بعض التهديدات العالمية الخطيرة التي قد تؤدي إذا لم يتم التصدي لها بالشكل اللائق إلى تدمير الحياة على هذا الكوكب. ومن المؤكد أن الأسلحة النووية قادرة على قتلنا بسرعة أكبر كثيراً من ثاني أكسيد الكربون.


*وزير خارجية أستراليا ورئيس الجامعة الوطنية الأسترالية سابقا، والرئيس المشارك للجنة الدولية، ومؤسس الشبكة قيادة منطقة آسيا والباسيفيكي لمنع الانتشار النووي ونزع السلاح النووي.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت،" 2012.

التعليق