إبراهيم غرايبة

كيف نكون ما يجب أن نكون؟

تم نشره في الأربعاء 3 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 12:06 صباحاً

يفترض أن الأردنيين (حكومة ومجتمعات وأفرادا) قد أمضوا شوطا طويلا ومتقدما في التعليم والتنظيم القانوني والاجتماعي لمؤسساتهم ومدنهم وعلاقاتهم الاجتماعية، لماذا تظهر بعد مائة سنة على قيام الدولة الحديثة وتكريس الانتخابات والمدن والنقابات والمدارس والجامعات والأسواق والطرق والجسور، وتقدم وانتشار التعليم والخدمات الأساسية، وتحسن مستوى المعيشة خروقات واسعة ومخيفة في السلوك الاجتماعي والتعدّي على القيم العامة والقوانين المنظمة لحياة الناس وعلاقاتهم؟ لماذا يعجز الأردنيون بعد كل هذه الإنجازات والجهود والأموال المبذولة في التحديث والتنظيم القانوني والمؤسسي المتقدم للحقوق والمشاركة والفرص والأعمال أن يكونوا أمة تسودها الأخلاق والقوانين الصحيحة والملائمة في الحياة والسياسة والاجتماع كما الأمم المتقدمة؟
نؤمن جميعا بأن الشعب الأردني وصل إلى مستوى متقدم من التعليم والفاعلية الحضارية والاجتماعية، لكن تظهر كل يوم قصص وأحداث تؤشر إلى الاتجاهات البدائية في التنظيم الاجتماعي والسياسي، وتتناقض على نحو صارخ وتدميري مع ما يفترض أننا بذلنا لأجله أوقاتا وأموالا وجهودا طائلة، كيف ننفق آلاف الملايين على التعليم لكننا لا نتعلم؟ وكيف ننفق آلاف الملايين لأجل العدل والأمن لكننا لا نحصل عليهما أو لا نلتزم بهما وبأهدافهما وبما ينجحهما؟ وكيف ننفق آلاف الملايين على الطرق والمواصلات لكننا لا نحصل على حالة مرضية في القيادة والنقل؟ وكيف ننفق آلاف الملايين على الدين لكنا لا نحصل على تدين يرتقي بالذات ويحسن الحياة ويمنحنا الرضا والسلام؟ وكيف ننفق آلاف الملايين على الإعلام والسياسة والثقافة والإرشاد والانتخابات والبرلمانات والمجالس البلدية والنقابية لكننا لا نحصل على عدالة اجتماعية وتوزيع عادل للفرص والموارد وحياة سياسية فاعلة، وديمقراطية حقيقية، وتداول سلمي وفاعل للسلطة والفرص؟
لشديد الأسف فإن القواعد الكفيّة والعادلة في التنظيم الاجتماعي والقانوني والأخلاقي ليست قواعد سلوكية وإرشادية يدعو إليها القادة والدعاة والكتاب، بل والأخلاق نفسها ليست عمليات خارجية تهبط من السماء أو بمجرد الإيمان بها بعيدا عن السياق الاجتماعي والحضاري والمصالح المنظمة للحياة والعلاقات، وفي جميع الأحوال فإنها ليست مبتدأ العمل والإصلاح لكنها محصلة العمل المؤسسي والقانوني، فالثقافة والقيم والأخلاق تتشكل حول منظومة الأعمال والموارد وما ينشأ عنهما من تنظيم اجتماعي وسياسي واقتصادي، ولذلك فإن الأخلاق والقيم العامة والكبرى تتغير كثيرا في ترتيبها ومعناها، وعلى سبيل المثال فقد كانت الشجاعة والكرم هما العقل الأخلاقي في مرحلة كانت الزراعة هي المورد الأساسي والغالب في العمل وتشكيل الأسواق والمدن والقرى وأنظمة الحكم والإدارة، لكن الثقة والإتقان يصعدان اليوم كأساس للأخلاق في الاقتصاد الشبكي والمعرفي وما ينشأ عنهما (يجب أن ينشأ) من تنظيم مؤسسي وقانوني.
القضية الأساس في الإصلاح والعمل السياسي الاجتماعي أن تكون الفئة الأكفأ والمؤمنة بالعقلانية الاجتماعية والأخلاقية في موقعها الصحيح والمفترض في  قيادة وتحريك المؤسسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية .. كيف تملك المجموعات والفئات والطلائع الإصلاحية والأكثر كفاءة وذكاء ومهارات قواعد اجتماعية تمكنها من العمل والتأثير؟ كيف تملك فرصا عادلة في قيادة المؤسسات والعمل فيها؟ كيف يتحول الإبداع والتفوق إلى مورد اجتماعي مشاعي ومتاح مثله مثل الطرق والجسور؟
لا أؤمن بنظرية ولا أيديولوجيا المؤامرة.. لكن دائما تنجح المؤامرة (التي لا أؤمن بها) في إخفاء إظهار أسوأ ما لدينا من اتجاهات وأفكار ونزعات، و لسوء الحظ؛ تخفي/ تجهض أفضل ما لدينا.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مداخله... (" محمد مشهور" شمس الدين)

    الأربعاء 3 تشرين الأول / أكتوبر 2018.
    اما أنا فأؤمن بأن هناك " مبدعون ومفكرون وعازمون على العمل بجدّ وإخلاص وتميّز... ولكن ليس لهم مكان ضمن " شلّة متنفذين" من مصلحتهم الخاصه إقصاء مثل هؤلاء وإهمالهم.. فكيف يمكن أن نصل الى الهدف المنشود؟؟