هاني البدري

بيت الأردن .. أوسع مما تتخيل

تم نشره في الاثنين 30 آب / أغسطس 2010. 02:00 صباحاً

أسأل نفسي منذ يومين، كيف قضى الشاب الأردني بلال أبودية ليلته أول من أمس بعد أن فتح باب منزله ليجد أن من على الباب ما هو إلا الملك، يسأل ويطمئن على الأحوال. ثم، كيف قضى ساعاته حتى هذه اللحظة!؟ وهل وجد النوم طريقاً لعينيه بعد أن تحدث مع الملك، هكذا ببساطة، وشكا له ضيق الحال ليجد الاستجابة أقرب من السؤال. وهو الذي كانت أقصى أحلامه لقاء مدير قبول في إحدى الجامعات.

واقع الحال أن حيا كاملا خرج من صلاة الجمعة، فوجد أنه على موعد مع الملك عبدالله، من دون ترتيب مسبق أو مواكب أو زيارات تمهيدية أو حتى فرق من الأمانة تنظف وتزرع وتصبغ الأرصفة، استعدادا للزيارة "المفاجئة" كما تفعل عادة عند زيارات المسؤولين (العاديين) للقرى والأحياء.

حي الرحمانية الذي له من اسمه نصيب ومن موقعه حظ طيب، فتح قلبه لجلالة سيدنا بكل المسائل والقضايا والهموم، ولمَ لا.. وهو جارهم في بيت الأردن، الذي له هو أيضا من اسمه نصيب وافر. ببساطة أراد جلالته استطلاع أحوال الجيران بعفوية رمضان وعذوبته، وبساطة الجار المُحِب.

مرة أخرى ..أعطانا جلالته درسا رمضانيا في الخير المتعفف عن المِنة والأجر.. وأكدَ لنا أن الأعمال العظيمة لا تستدعي كل هذه الجلبة والضجيج المفتعل، بل إن بساطة التواصل بين القائد والناس ..هكذا (من غير مناسبات) هي من تلك الأعمال العظيمة التي تستدعي أن نتذكر دائما،أن العدل والحب والعطاء هي أساس الحكم.

ولكن من يتعلم الدرس؟!

وماذا عن مسؤولينا الذين عكفوا في أجواء الشهر الكريم أن يتواصلوا أيضاً مع الناس، ولكن عبر صفحاتهم الالكترونية على مواقع التويتر والفيس بوك. ثم ماذا يريد المسؤولون لدينا أكثر من تلك الرسالة الملكية الموجهة. رسالة الحب والحميمية بين القائد وشعبه.. ماذا يريدون؟ أن يُمسك أيديهم بالواحد وأن يرشدهم الى طريق أداء المهمة المنوطة به. كما حصل في الرحمانية عندما سارعت الأجهزة الحكومية الى التحرك لخدمة هذا الحي؛ فقط بعد التكليف الملكي، وكما حصل عندما تحرك أخيرا المسؤولون لتفعيل العقوبة على مطلقي العيارات النارية؛ فقط عندما تحدث الملك بمرارة عن ذلك.

درس الرحمانية الملكي..يقول أكثر من ذلك بكثير، يقول لنا لو أن كل واحد منا فكر ان يُعَرج على البيوت المجاورة لبيته ويطمئن على أحوال سكانه في هذه الأيام الفضيلة، لكانت الدنيا بخير.

ثم لو أن مفهوم الرعاية الأبوية يأخذ شكلاً مغايرا ومتقدما على أشكال السلطة المرتبطة بالأوامر والنواهي ليكون صلة رحم دافئة وحوارا في المعروف، لكانت الدنيا أفضل بكثير.

الرعاية كما قرأتها في زيارة الملك الى الرحمانية وقبلها في سحاب وقرية الملاحات وغيرها، هي النزول الى الشارع وشرب الشاي مع الناس والاستماع المدجج بالعناية والاهتمام بهموم البشر المتعبة، وأن يرعى المسؤول دقائق الشكوى ويعرف كيف يردها من دون أن يَمُنَ على أحد أو أن يبتسم للكاميرات المنتشرة، ومن دون أن يشكي لنفسه ولجواره البعد المطلبي في أحاديث ناس (تتنشق) للقاء مسؤول.

من يتعلم إذن؟!

المسؤولون الذين يهربون من لقاء الناس ومطالبهم، فيكتفون بحوار مع الأصدقاء المشتركين على النت، أم أولئك الذين يُغَيِرون أرقام هواتفهم النقالة بشكل متواصل تبعا لتسربها لصحافيين أو طالبي حاجة.

ثم متى سنرى تلك الوجوه اليانعة المتوردة وهي تلامس قبلات البسطاء الذين لا يحلمون بأكثر من مائهم وكهربائهم ودوائهم؟ وأنا هنا لا أتحدث عن وزراء بعينهم؛ فالتكليف وميثاق الشرف يطاول وزراء ومديرين وأمناء ورؤساء لجان ومراقبين، لم تتضح لديهم فكرة الرعاية، ربما لأنهم لايتعرضون للشمس كثيرا!

تخيلت أن مسؤولين سيقومون بزيارات مماثلة لجيرانهم في رمضان، ثم اكتشفت أنهم سيدخلون حلقة مفرغة لأنهم لن يزوروا إلا مسؤولين مثلهم .. فهم كلهم جيران.

hani.badri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »رابع المستحيلات (نادر طه الهروط)

    الاثنين 30 آب / أغسطس 2010.
    المسؤول المحترم و النبيل لا يسعى وراء الإكرام والاحترام من الآخَرين، بل هو الذي يتمتّع بالحكمة واحترام الغَير. لا يتحلّى بروح العُجب والاعتداد بالذّات، بل بالهدوء والوداعة والبساطة. وعندما يتحلّى بهذه الصّفات لا يعتبر نَفْسه ساذجاً أو ضعيفاً، بل متفانٍ في تقديم الآخَرين على حساب نَفْسه. لو سمحت استاذ هاني البدري اكتب لي أسماء خمسة مسؤولين يتمتعون بهذه الصفات ستجد أنك ستحقق في الأردن رابع المستحيلات !!!
  • »e7na msh mn mostawahom (zozo)

    الاثنين 30 آب / أغسطس 2010.
    jalalet al malek ensan 2abel kol she...
    mas2olena jama3a hi...al sha3eb elly nezellhom abu hosain mesh men mostawahom al hiiiiiiiiiiiii
  • »المسؤولية (ميس)

    الاثنين 30 آب / أغسطس 2010.
    الاستاذ هاني البدري المحترم يعطيك العافية على المقال الرائع و الذي يضع المسؤولين في مكانهم الصحيح لكني اسألك بالله عليك هل تظن أن أحد سيتعلم الدرس و يفكر أن ينزل لمستوى الناس البسطاء و يفعل كما فعل جلالة الملك عبدالله المفدى ؟
    المسؤولين يا أستاذ هاني يعجبون بهذه التصرفات كثيرا لكنهم لا يعيدونها مرة ثانية لأنهم يعرفون مدى أخطائهم بحق أعمالهم المفترض أن تنجز على الوجه الذي يتناسب مع الثقة الملكية لهم . لكنهم و كما ذكرت في مقالك لا يتخاطبون الا بلغة الكمبوترات التي لا يفهمها الا قلة قليلة جدا . و الدليل على كلامي أن ولا مسؤول لدينا يقبل أن يظهر على الاذاعة أو التلفزيون مباشرة ليتلقى شكوى لأنه باختصار لا علم له بها و غير قادر على حلها من عنده .
    كان الله في عون الشعب على هذه الحكومة و حفظالله ملكنا الانسان
  • »السبب هو الغرور و التكبر (أبو خالد الطيب)

    الاثنين 30 آب / أغسطس 2010.
    المتواضع هو الرجل الذي يقبل الحق ويتقبل النقد مهما كان من يقوله ويرى بأن اكرم البشر الى الله هو اتقاهم لله «إن أكرمكم عند الله أتقاكم» والمتواضع شخص حلو المعشر يسهل التعامل معه ويسهل على المتحدث اليه الوصول الى قلبه.و هذا هو مليكناابن الاشراف.
    أما الشخص المغرور ينكشف من اول وهله لأن الغرور لا تخطئه العين ولأنه يبني حواجز بينه وبين الناس، والمغرور لا يتقبل النصيحة، وتراه يتكبر ويغتر على من دونه ويطغى اذا استغنى عن الناس مصداقاً لقوله سبحانه وتعالى «إن الانسان ليطغى ان رأءه استغنى».
    والله سبحانه وتعالى لا يحب المتكبرين والمختال الفخور بنفسه، فعجبي لماذا يتخلل الانسان الغرور على منصب جاءه ليكون تكليفا لا تشريفا وهو يعلم انه زائل وانه لو دامت لغيره لما وصلت اليه، والله سبحانه وتعالى يقول «ولا تمشِ في الارض مرحًا انك لن تخرق الارض ولن تبلغ الجبال طولا، كل ذلك كان سيئه عند ربك مفعولا».
  • »قصة وعبرة (أردنية)

    الاثنين 30 آب / أغسطس 2010.
    في عمل سابق لي كان لدي مدير بالكاد أتم الاعدادية، وكانت طبيعة عملنا تستلزم استيراد أجهزة وتنقيات حديثة. كان هذا المدير يقضي أياما وأسابيع وهو يلهو بتلك التقنية كمن أصابه مس أو هوس، وكنا نتندر عليه ونقول (هاقد أحضر لعبة جديدة يلهو بها)!

    عندما أصبح لدينا في المؤسسة شبكة انترنت ADSL، كان مديرنا يقول لنا (حلقوا في عالم الانترنت!)، وبالمناسبة أنا لدي انترنت ADSl في البيت منذ سنوات طويلة فلم يكن بالأمر الجديد بالنسبة لي. كان مديري يمضي الساعات الطويلة وهو يستكشف الانترنت ويتصفح المواقع وينادينا كي يرينا مهاراته في فتح المواقع الالكترونية!

    أتساءل ما إذا كان مديري السابق قد اكتشف التويتر الآن؟ لا بد أنه سيجمع كافة موظفي المؤسسة وسيتباهى بقدرته الباهرة على (التوترة)!
  • »ملكنا (طارق النوايسة)

    الاثنين 30 آب / أغسطس 2010.
    نعم أستاذ هاني
    بيت جلالة سيدنا مفتوح لكل العرب و الاردنيين لانه بيت الكرم و الجود
  • »كلام صحيح (زهرة و اوزاجها الخمسة)

    الاثنين 30 آب / أغسطس 2010.
    رائع استاذ هاني كلام رائع
  • »لا حياة لمن تنادي (مواطن مش برئ)

    الاثنين 30 آب / أغسطس 2010.
    يعني جلالة سيدنا اشي و هظول المسؤولين اشي ثاني
    اعتقد انه ظنه خاب فيهم و الله اعلم يعطيك العافية استاذ هاني البدري
    مواطن مش برئ
  • »مقال راااااااااااااااااائع (جميل سعادة)

    الاثنين 30 آب / أغسطس 2010.
    الكاتب الرائع هاني البدري مقال جميل و صفعة على وجوه متوردة لم تستح من بادرة الملك الطيبة و لم تخجل من أدائه الرفيع المجبول بالكرم و التواضع . المسؤولون لدينا لا يفكرون حتى ببوادر مماثلة لأنهم يخشون على أنفسهم ضجيج الاعتراضات و الشكوى التي تطال تقصيرهم الحاد في أداء واجبهم , هم و كبار موظفيهم . فيأخذونها من قاصرها و يغلقون نوافذ سياراتهم على سواد لا يكشف "بياضهم" ! أما جلالة الملك فهو لا يعبأ بسمرة ستلوح على جبينه لأنه واحد يشبه هذا الشعب .