ثلاثة أشياء كشفتها قمة طهران عن "تحالف" روسيا وتركيا وإيران

تم نشره في الجمعة 14 أيلول / سبتمبر 2018. 12:00 صباحاً
  • الرؤساء التركي إردوغان والإيراني روحاني والروسي بوتين في قمة طهران مؤخراً - (أرشيفية)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

مكسيم أ. سوشكوف – (المونيتور) 9/9/2018

كشفت القمة التي التأمت مؤخراً في طهران ديناميات كامنة مهمة داخل ثلاثي أستانة، وأوضحت أن الجهات الفاعلة الثلاث ترى في الوجود الأميركي في سورية مشكلة، ولو أن لكل منها أسبابها الخاصة. وفي حين أن التنازلات لا تأتي بسهولة بالنسبة لأي من روسيا وإيران وتركيا، فإن المنطق الذي يستمر في الجمع بين الرؤساء الطموحين الثلاثة يستند إلى حسابات براغماتية -التي قد يقول البعض إنها مدفوعة بالمصلحة الآنية- بأن كلاً منهم يحتاج إلى نظيريه الآخرَين في هذه اللحظة بالذات. وفي حين أن التحالف محدد بظروفه، فإن مبادئ عمله ظلت متماسكة على الرغم من الأزمات الكبرى. ولا يعمل تحدي إدلب على تآكل العلاقة نفسها بين الدول الثلاث، لكنه يشكل أيضاً اختبار توتر آخر، والذي يحتاج الزعماء الثلاثة إلى اجتيازه لمواصلة جني ثمار التعاون الثلاثي.

*   *   *

موسكو- جعلت جولة جديدة من التصعيد حول إدلب القمة التي انعقدت مؤخراً في طهران أكثر أهمية. وفي الفترة التي سبقت الحدَث، كانت التوقعات من القمة في إيران وروسيا وتركيا متواضعة، وإنما متفائلة. وكان يُنظر إلى الاجتماع الثالث بين قادة الدول الثلاث على أنه خطوة حاسمة في اتجاه إنهاء الحرب في سورية.

وقال سيرجي ريابكوف، نائب وزير الخارجية الروسي، في مؤتمر صحفي قبل انعقاد القمة: "أعتقد أن الوضع من الناحية العسكرية -من بين أمور أخرى- سوف يصبح أكثر وضوحاً بعد أن يعقد قادة الدول الضامنة الثلاث محادثاتهم".

وأضاف أليكسي إيركوف، سفير روسيا لدى تركيا: "القمة... فرصة عظيمة للتوصل إلى حل في سورية".

وقال الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، للصحفيين قبل أيام من مغادرته متوجهاً إلى إيران: "سوف نأخذ الوضع إلى نقطة إيجابية في القمة... إن شاء الله، سوف نتمكن من عرقلة تطرف الحكومة السورية في المنطقة. في وضع كهذا، إلى أين سيذهب الناس الهاربون؟ سوف يأتي قسم كبير منهم إلى تركيا".

تتسم هذه القضية في الحقيقة بأهمية كبيرة بالنسبة لتركيا، وكان على كل من روسيا وطهران أن تأخذا في الحسبان الأصول والرهانات المميزة التي أصبحت لدى أنقرة هذه المرة، مقارنة بالمناسبات الأخرى عندما تحرك الأسد لاجتياج المناطق التي تسيطر عليها المعارضة. ولم يتوصل الفرقاء في طهران إلى أي اتفاق كامل كما كانوا قد أملوا بداية -سوف تُعقد الآن قمة أخرى في روسيا لاحقاً- لكن لدى الأطراف الثلاثة سبب للشعور بأن مصالحهم الأمنية الأساسية يمكن أن تعالَج كما يجب.

حافظت تركيا على مصداقيتها لدى المعارضة عن طرق الظهور بمظهر "الشرطي الطيب" في مقابل "الشرطي السيئ" الروسي، في الحوار بين إردوغان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين. كما حصلت أنقرة أيضاً على بعض الوقت لإنجاز المهمة المتمثلة في فرز المتشددين المعتدلين عن المتطرفين. وحصل بوتين على الوعد الذي يريده من إردوغان بالتعامل مع أولئك الذين يهاجمون قاعدة حميميم الروسية من إدلب. وسوف يفيد موقف إيران الهادئ القائم على مبدأ الانتظار لرؤية ما يحدث طهران، كما سبق وأن فعل في الماضي.

في حين أن الوضع الحالي للأمور يوفر الأمل في إمكانية تفادي هجوم على إدلب من نوع هجوم حلب في الوقت الراهن، فإن القوات الجوية الروسية والسورية سوف تواصل قصف مواقع المعارضة والإرهابيين "في أطراف" إدلب، لإبقاء إردوغان واقفاً على رؤوس أصابع قدميه، وليكون ذلك بمثابة تذكير دائم ومقلق له بأن الوقت الذي كسبه ليس بلا نهاية.

بالقدر الذي يهم العلاقات بين روسيا وتركيا وإيران، هناك ثلاثة أمور مهمة بشكل خاص، والتي يمكن استخلاصها من القمة:

أولاً: أظهرت مناقشات القمة التي بُثت مباشرة بين الرؤساء الثلاثة أن نقاط الخلاف داخل ثلاثي أستانة ما تزال قائمة. وهذه بالكاد أخبار جديدة بما أنه تم الاعتراف بها منذ وقت طويل وطالما تم التعبير عنها على مستويات مختلفة، ولا يعدو النزاع المتلفز كونه مجرد قمة جبل الجليد بهذا المعنى. ومع ذلك، تساعد لغة ومواقف الزعماء الثلاثة في توفير فهم لمدى التعقيد الذي تتميز به الكيمياء الشخصية بين الثلاثة، وأنماط قيادتهم، والأشواط التي قطعها كل منهم لتعزيز مصالح بلده في داخل هذا "التحالف".

ثانياً: على الرغم من الاختلافات، فإن موسكو وأنقرة وطهران تواصل تقدير صيغة أستانة كمنظور يساعدها، في غياب آليات أفضل، على تعزيز أجنداتها الخاصة وتنسيق الجهود فيما يتعلق بتحريك مسار العمل داخل سورية.

في القمة، قال الرئيس الإيراني حسن روحاني: "النظام الصهيوني... لا يُمكن أن يُنظر إليه كمقاتل ملَهم ضد الإرهاب... يجب على نظام إسرائيل الاحتلالي أن يغادر الأراضي السورية المحتلة على الفور".

وأضاف روحاني: "حتى الآن، قطعنا شوطاً طويلاً على طريق التسوية السورية... تستطيع منطقتنا أن تعيش بسلام، وإنما من دون تهديدات، من دون احتلال، ومن دون عكسرة أو تمييز عرقي وديني. يمكن أن يشكل التعاون بين دولنا الثلاث في القضية السورية أرضية موثوقة لإحلال السلام في سورية وللتفاعل طويل الأمد على المستويين، الإقليمي والعالمي".

وقال بوتين، مؤكداً أهمية اتفاق أستانة: "يتم تطبيق القرارات السابقة في إطار أستانة بنجاح... لقد تم القضاء على آفة الإرهاب الدولي تقريباً. وتم تحرير 95 في المائة من الأراضي السورية و141 بلدة ومدينة.... وتمت تهيئة الظروف أمام السوريين لتقرير مستقبل بلدهم بأنفسهم... وبفضل العمل الدقيق لكل من روسيا وإيران وتركيا، تم تحقيق بعض من النتائج المثيرة للإعجاب في سورية".

وقال إردوغان: "نحن نعرف أن مصالحنا داخل اجتماعات أستانة قد تقاربت في اتجاهات رئيسية... وبأخذ ذلك في الاعتبار، بأرواح ودماء جنودنا في جرابلس، والباب وعفرين، قمنا بتطهير الأرض وطرد الإرهابيين. لقد زودنا الأراضي السورية بالسلام والهدوء، وبذلك سعينا إلى خلق الظروف لعودة اللاجئين".

حتى بينما ألمح إردوغان إلى انحراف أنقرة المحتمل عن صيغة أستانة بسبب خيبة الأمل التركية من عدم قدرة شركائها على الوفاء بمتطلبات المصالح التركية في إدلب، لم تظهر روسيا وإيران أي علامات على التراجع عن نواياهما الاستراتيجية المتمثلة في إتاحة تمكن دمشق من استعادة السيطرة على كامل المحافظة في نهاية المطاف.

وقال بوتين: "يجب أن نحل هذه القضية (إدلب) مع فهم لحقيقة أن الحكومة السورية تمتلك الشرعية والحق، وأن عليها تأمين السيطرة على كامل أراضيها في نهاية المطاف".

في هذا السياق، يبقى العزم الروسي والإيراني على مواجهة جماعات المعرضة قوياً كما كان حاله في السابق، حيث تنظر كلا الدولتين ذلك باعتباره منسجماً مع الاتفاقيات متعددة الأطراف الرامية إلى استئصال شأفة الجماعات المتشددة العنيفة. ويبدو أن الاختلاف الصغير -وإنما المهم أيضاً- هو أن موسكو ترغب في إعطاء أولئك الراغبين في المصالحة فرصة.

ولكن، في حين أن التنازلات لا تأتي بسهولة بالنسبة لأي من روسيا وإيران وتركيا، فإن المنطق الذي يستمر في الجمع بين الرؤساء الطموحين الثلاثة يستند إلى حسابات براغماتية -التي قد يقول البعض إنها مدفوعة بالمصلحة الآنية- بأن كلاً منهم يحتاج إلى نظيريه الآخرَين في هذه اللحظة بالذات. وفي حين أن التحالف محدد بظروفه، فإن مبادئ عمله ظلت متماسكة على الرغم من الأزمات الكبرى. ولا يعمل تحدي إدلب على تآكل العلاقة نفسها بين الدول الثلاث، لكنه يشكل أيضاً اختبار توتر آخر، والذي يحتاج الزعماء الثلاثة إلى اجتيازه لمواصلة جني ثمار التعاون الثلاثي.

ثالثاً: يبقى الوجود الأميركي مشكلة لكل الفاعلين الثلاثة. وأصبح يُنظر إلى أميركا في سورية على أنها تهديد لإيران، ومفسدٌ بالنسبة لروسيا، ومصدر إزعاج لتركيا.

قال روحاني: "لا يمكن توقع أي دور إيجابي في سورية (من الولايات المتحدة). تدخلهم البربري وغير القانوني في سورية يتعارض مع كل قانون دولي، ويؤدي وجودهم فقط إلى تدهور وتعقيد جهود صنع السلام في سورية".

فيما ينطوي على مفارقة، وفي حين أنهم يعارضون أي دور للولايات المتحدة في الصراع، يخشى الإيرانيون أن تعمد موسكو في نهاية المطاف إلى مقايضة أي نفوذ صغير لديها في طهران بصفقة مع واشنطن، في حين يبدو الروس أكثر انشغالاً بمقاربات أنقرة المتواصلة لشريكتها في الناتو. ومع ذلك، كان إردوغان في طهران حاداً في انتقاده للولايات المتحدة.

قال إردوغان: "بينما يبقي العالم أنظاره مسلطة على إدلب... بذريعة محاربة داعش، وجهت بعض القوى الأجنبية قواتها في اتجاه مختلف. إننا نشعر بالقلق العميق من استمرار الولايات المتحدة في دعم منظمة إرهابية. وعلى الرغم من أن داعش لم يعد يشكل خطراً، أرسل الأميركيون عدة آلاف من الطائرات المحملة بالأسلحة. ويظهر ذلك الكيفية التي ‘يدعمون’ بها المنطقة".

ومن جانبه، تجنب بوتين الإشارة الصريحة إلى العنصر الأميركي بأي طريقة خلال ملاحظاته الافتتاحية، وتحدث فقط عن الاستفزازات الممكنة من طرف المتشدديين، والتي تتضمن لجوئهم إلى استخدام المواد الكيميائية، والذي قالت وزارة الدفاع الروسية إنه يأتي بتحريض وإلهام من "بعض الدول الغربية".

ومع ذلك، فإن الوضع بين روسيا والولايات المتحدة هو الذي يزحف في اتجاه مستويات تصادمية جديدة. وفي الأسبوع قبل الماضي، حذر الجيش الروسي الولايات المتحدة مرتين من توفر نية لمهاجمة منطقة التنف، حيث زعمت موسكو منذ وقت طويل أن القوات الأميركية تحمي المتشددين. وفي الرد على ذلك، أمرت الولايات المتحدة بإجراء تمرين عسكري مفاجئ في جنوب سورية بالقرب من الحدود الأردنية والعراقية.

وفي وقت سابق، كان وزير الدفاع الأميركي، جيم ماتيس، قد رفض التأكيدات الروسية على استفزاز مقبل يتضمن استخدام المواد الكيميائية، وقال إن لدى واشنطن "صفر من الاستخبارات التي تظهر أن لدى المعارضة أي قدرات كيميائية". وكانت الولايات المتحدة قد وجهت تحذيرات إلى سورية من مغبة استخدام الأسلحة الكيميائية في إدلب. 

في 8 أيلول (سبتمبر)، ذكرت وزارة الدفاع الروسية أن اجتماعاً عُقد بين قادة "هيئة تحرير الشام"، و"حزب التحرير" (حزب تركستان الإسلامي)، و"الخوذات البيضاء". ووفقاً للوزارة، نوقشت في الاجتماع "سيناريوهات لترتيب وتصوير حوادث استخدام مزعوم للأسلحة الكيميائية من قبل قوات الحكومة السورية ضد المدنيين".

وحذرت الوزارة على تويتر: "سوف يعطي فريق خاص من بعض أصدقاء الثورة السورية الإشارة لبدء الاستفزازات في محافظة إدلب".

وهكذا، حتى لو اختارت موسكو وواشنطن مرة أخرى استخدام تكتيكات ما يوصف في كثير من الأحيان بـ"التصعيد من أجل خفض التصعيد"، لا يبدو أن أياً من الطرفين يرتدع بالتحركات التي يقوم بها الآخر، وهو ما يصنع اتجاهاً مقلقاً وسط التوترات المتصاعدة.

 

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Three things the Tehran summit exposed about Russia, Turkey, Iran 'alliance'

التعليق