الطاعة الزوجية في القرآن الكريم

تم نشره في الجمعة 10 آب / أغسطس 2018. 12:00 صباحاً

د. أحمد ياسين القرالة

كنا في المقال السابق تحدثنا عن إدارة الأسرة التي هي القوامة، ومن لوازم القوامة الطاعة؛ إذ لا معنى للقوامة من دون رأي نافذ، وهو ما عبر عنه الإمام علي بقوله "لا رأي لمن لا طاعة له".
وإذا أردنا أن لا تستغل الطاعة استغلالاً سيئاً يؤدي إلى نقيض مقصودها، لا بد من تحديد مجالها بشكل دقيق وواضح.
ولتوضيح ذلك نقول إن الزواج عقد، وكل عقد له محل وله آثار تترتب عليه، أما محله فهو المتعة المشتركة بين الزوجين، وأما آثاره فهي إباحة المتعة بين الزوجين، وإذا كان من اللازم على كل من المتعاقد أن يفي بمقتضيات عقده، فإن هذا العقد يقتضي من الزوجة طاعة زوجها في الاستجابة لهذه الحاجة، وعدم الامتناع عنها، وهذا ما أشارت إليه النصوص الشرعية، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم "إذا الرجل دعا زوجته لحاجته فلتأته وإن كانت على التنور"، ولكن على الزوج أن لا يتعسف في استعمال هذا الحق، ولا يجعل منه وسيلة للبغضاء والكراهية، فلا يطلب هذا الحق في غير أوانه، وأن يختار أفضل الأوقات له، وأن يعلم أن للزوجة حقاً فيه كحقه، وأنه ليس مجرد مهمة يؤديها خالية من الحب والحنان.
وبناء عليه، فإن ما تقوم به الزوجة من أعمال منزلية ورعاية للأولاد خارج على مقتضى العقد وهي ليست ملزمة به، ولكنها تقوم به من باب المعاشرة بالمعروف.
فإذا علم الزوج وأدرك أن ما تقوم به الزوجة فيما وراء الاستجابة الجنسية إنما هو فضل وكرم منها، وهي محسنة بهذا العمل، فإنه ويترتب على هذا الأمور الآتية:
إن الزوج يقدر للزوجة هذا الفضل ويجعله يحترم هذا العمل؛ لأنها محسنة ومتفضلة عليه بهذا العمل.
إن القول بوجوب ذلك يجعل العمل ثقيلاً على النفس؛ لأن النفس تستثقل الواجب وتعتبره عبئاً عليها، ولكنها لا تستثقل المندوب والعمل التطوعي، بل هي من تتجه إليه وتسعى للقيام به، فيقترن أداؤه بالحب والرغبة، فيأتي العمل كاملاً متقناً.
إنه يحمل الزوج عن أن يتغاضى عن أي تقصير أو خلل يعتور ذلك العمل، لأنه إحسان والله تعالى يقول ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾. ويقول ﴿هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ (الرحمن:60)، فلا يجوز مقابلة الإحسان إلا بالإحسان هذه القاعدة التي وضعها الخالق عز وجل لحمل الناس على الإحسان وتقدير عمل المحسنين.
هذا وإن القول بعدم وجوب هذه الأعمال على الزوجة لا يمنع ولم يمنع المرأة من القيام بها، فنساؤنا وعلى مر الزمان يقمن بكل أعباء المنزل، والبعض الآخر يضفن إليه العمل الوظيفي، رغبة في رفاهية الأسرة وسعادتها.
إن اعتبار الزوجة مكلفة تجاه الزوج وملزمة بالاستجابة لكل طلباته ورغباته حتى وإن كانت نوعاً من الاتكالية والتطفلية، فإن هذا يقود إلى معضلة كبيرة وهي قيام الزوج بمحاسبة زوجته على أي خلل أو تقصير تقع فيه، ويجعلها عرضة دائماً للمحاسبة والعقاب، وهذا يزيد من دائرة التوتر ويرفع منسوب العنف تجاه الزوجة، خاصة إذا ما أدركنا أن هذا الواجب لا معيار له ولا حدود، وأنا أعتقد أن الكثير من العنف في البيوت سببه هذا المفهوم المغلوط لحق الطاعة.
وليس هذا المفهوم المغلوط مقتصراً على الزوج وحده وإنما يتعداه إلى الأولاد؛ حيث يرون أن أمهم ملزمة بخدمتهم والسهر على راحتهم مما يخلق في نفوسهم الاتكالية، ويذهب الأمر إلى أبعد من ذلك ليكون هو الحكم في علاقة الذكر بالأنثى داخل الأسرة؛ إذ بناء على هذا المفهوم يعتقد الأخ بحقه في خدمة أخته ورعاية شؤونه.
إن مفهوم الطاعة بالمعنى الذي فسرناه هو المعنى المنضبط، الذي يمكن محاسبة الزوجة عليه؛ لذلك ذهبت كثير من التشريعات إلى اعتبار خروج الزوجة على طاعة زوجها نشوزاً، ويكون ذلك بمغادرة بيت الزوجية من دون مسوغ، لأنه هو الذي يفوت على الزوج حقه في استيفاء المتعة، وهو معيار جيد، وقد رتبت التشريعات عليه جزاء من جنسه، وهو الحرمان من النفقة، فإذا كانت الطاعة في مقابل النفقة، فلا نفقة حيث لا طاعة، تماما كما الموظف لا يستحق الأجر وقت غيابه عن العمل.
ولا بد أن يدرك الأزواج أنهم بفهمهم المغلوط للطاعة وحدودها، وبالتعسف في استعمالها يدفعون زوجاتهم قسراً نحو النشوز، فعلى الأزواج ألا يعينوا زوجاتهم على الخروج على طاعتهم، والذي يؤدي إلى القلق والاضطراب داخل الأسرة، وقد يؤول إلى انفراط عقدها وتفككها.

التعليق